زكريا محمد: الأميون في القرآن: أهم الأحناف؟
من قصيدة "عُواء" للشاعر الاميركي ألن غينسبيرغ: ترجمة سركون بولص
محمود درويش يقرأ قصيدة في فيلم لصموئيل شمعون

ENGLISH KIKAH

أهلا بكم في كيكا *** اعتبارا من اليوم يقوم الزميل عماد خشان، المقيم في نيويورك، بالاشراف على موقع كيكا **** كل المواد ترسل الى عماد خشان imadkachan@kikah.com أهلا بكم في كيكا *** اعتبارا من اليوم يقوم الزميل عماد خشان، المقيم في نيويورك، بالاشراف على موقع كيكا **** كل المواد ترسل الى عماد خشان imadkachan@kikah.com أهلا بكم في كيكا *** اعتبارا من اليوم يقوم الزميل عماد خشان، المقيم في نيويورك، بالاشراف على موقع كيكا **** كل المواد ترسل الى عماد خشان imadkachan@kikah.com أهلا بكم في كيكا *** اعتبارا من اليوم يقوم الزميل عماد خشان، المقيم في نيويورك، بالاشراف على موقع كيكا **** كل المواد ترسل الى عماد خشان imadkachan@kikah.com ______

جيمس كانيون "حكايا من ضيعة الأرامل" ترجمة خالد الجبيلي

 

جيمس كانيون

حكايا من ضيعة الأرامل

وقصص من أرض الرجال

 

ترجمة: خالد الجبيلي

 

 

الفصل الأول

اليوم الذي اختفى فيه الرجال

اريكويتا، 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 1992

 

        كانت بداية صباح اليوم الذي اختفى فيه الرجال تشبه بداية صباح أي يوم أحد عادي في ماريكويتا: فقد نسيت الديوك أن تصيح معلنة بزوغ الفجر، وأطال القندلفت نومه، فلم يقرع جرس الكنيسة لمناداة المؤمنين لحضور الصلاة في وقت مبكّر، (وكما جرت العادة في صباح كلّ يوم أحد خلال السنوات العشر الماضية) لم يكن يحضر صلاة القداس عند الساعة السادسة صباحاً إلا شخص واحد وهو دونا فيكتوريا أرملة موارليس. فقد دأبت الأرملة على حضور الصلاة، كما كان دأب القسّ رافائيل. في البدء، لم يكن أي منهما يشعر بالارتياح: فقد كان القسّ الضئيل البنية، يكاد يختفي وراء المنبر وهو يلقي موعظته، والأرملة الطويلة القامة، العامرة الصدر، تجلس وحدها في الصف الأول دون أن تأتي بأي حركة، يغطي رأسها وشاح أسود يتهدل على كتفيها. وقرّرا مؤخراً التخلي عن أداء الصلاة، وأصبحا في معظم الأحيان يجلسان معاً في ركن الكنيسة، يحتسيان القهوة ويتجاذبان أطراف الحديث. وفي اليوم الذي اختفى فيه الرجال، كان القسّ رافائيل يشتكي للأرملة من التدني الشديد في ريع الكنيسة، وكانا يناقشان سبل إحياء دفع ضريبة العشر بين المؤمنين. وبعد أن أنهيا حديثهما، اتفقا على تجاوز الاعتراف، ولكن بالرغم من ذلك، تناولت الأرملة سر القربان المقدس، ثمّ تلت بعض الأدعية والصلوات قبل أن تعود أدراجها إلى البيت.

        ومن خلال نافذة غرفة جلوسها المشرعة، سمعت أرملة موراليس أصوات الباعة المتجولين وهم يحاولون جذب انتباه أول طلائع المستيقظين من النوم بأطايب الطعام التي يبيعونها: "مورسيلاس" (نقانق سوداء) و"إمباناداس" (سمبوسك) و"تشيتشارونيس" (حلقات من لحم الخنزير). أغلقت الأرملة النافذة التي تهبّ من خلالها روائح دم النقانق الكريهة والأطعمة المقلية التي كانت تزعجها أكثر مما تزعجها الأصوات الحادة المرتفعة التي تعلن عن تلك الأطعمة. أيقظت بناتها الثلاث وابنها الوحيد، ثمّ عادت إلى المطبخ، وراحت تعدّ طعام الإفطار لأفراد أسرتها وهي تصفّر لحن أغنية.

        وفي الساعة الثامنة صباحاً، كانت معظم  أبواب ونوافذ البيوت في ماريكويتا مفتوحة على مصاريعها. وكان الرجال يرقصون التانغو والبوليرو على أنغام أجهزة الفونوغراف، أو يستمعون إلى الأخبار من المذياع. وفي الشارع الرئيسي، سحب قاضي القرية، خاسينتو خيمينيز، وسارجنت الشرطة، نابليون باتينو، طاولة مستديرة كبيرة وستة كراسي قابلة للطيّ، ووضعاها تحت شجرة مانغا باسقة ليلعبا لعبة البرجيس مع عدد من الجيران المختارين. وبعد عشر دقائق، عند الناصية الجنوبية الغربية من ساحة القرية، حمل دون ماركو توليو سيفوينتيس، أطول رجل في ماريكويتا، وصاحب حانة الرينكون دي غارديل، الحانة الوحيدة في القرية، آخر زبونين ثملين من حانته وأخرجهما، واحداً فوق كلّ كتف، ومدّدهما على الأرض، الواحد بجانب الآخر، ثمّ أقفل حانته وعاد إلى بيته. وفي الساعة الثامنة والنصف، في داخل باربيريا غوميز، المحل الصغير الذي يقع قبالة مبنى بلدية ماريكويتا، بدأ دون فايسينت غوميز يشحذ أمواس الحلاقة ويعقّم الأمشاط والفراشي بالكحول، بينما أخذت زوجته، فرانسيسكا، تنظّف المرايا والنوافذ بصحيفة مبللة. وفي أثناء ذلك، على بعد شارعين من السوق، كانت زوجة سارجنت الشرطة، روزالبا باتيفو، تساوم فلاحاً أحمر الوجه على ثمن ستة أكواز من الذرة، بينما كانت النساء العجائز يجلسن تحت المظلات الخضر يبعن كلّ شيء يخطر على البال، من هلام قدم العجل إلى أشرطة الكاسيت المهربة لفيلم مايكل جاكسون المثير. وفي الساعة الثامنة وخمس وثلاثين دقيقة، في الحقل المنبسط أمام بيت أرملة موراليس، بدأ إخوة ريستريبو (السبعة جميعاً) يؤدون حركات الإحماء قبل الشروع في لعب كرة القدم الأسبوعية منتظرين ديفيد بيريز، حفيد الجزّار، الذي يمتلك الكرة الوحيدة في القرية. وبعد خمس دقائق، راحت فتاتان عانستان ذوتا شعر طويل، وجسدين مربعين بعض الشيء، تسيران حول ساحة القرية، يد إحداهما مشبوكة بيد الأخرى، تلعنان عنوستهما وترفسان الكلاب الضالّة التي تعترض طريقهما لإبعادها عنهما. وفي الساعة الثامنة وخمسين دقيقة، وعلى مسافة ثلاثة شوارع من ساحة القرية، وفي البيت ذي الواجهة الخضراء المنتصب في وسط الحيّ، كان أنخيل ألبيرتو تاماكا، معلّم المدرسة، يتقلّب في سريره، يتصبب منه عرق غزير، وهو يحلم بأموروزا، المرأة المتيم بها.

        وفي الساعة التاسعة إلا ثلاث دقائق، على أطراف ماريكويتا، وداخل لا كازا دي إميليا (ماخور القرية)، كانت دوتيا إميليا (نفسها) تنتقل من غرفة إلى غرفة، توقظ آخر زبائنها، وتحذّرهم من أنهم سيقعون في ورطة حقيقية مع زوجاتهم إذا ما لم يغادروا الماخور في الحال، وصاحت في وجه إحدى الفتيات توبخّها لأنها لم تحافظ على نظافة غرفتها.

 

        مباشرة بعد الدقة التاسعة لناقوس الكنيسة، وبينما كانت أصداءه لا تزال تتردد في أذني القندلفت، ظهر من جميع أركان ماريكويتا حوالي ثلاثين رجلاً يرتدون بدلات بالية تميل إلى اللون الأخضر، وراحوا يطلقون النار من بنادقهم وهم يصيحون، "عاشت الثورة". وأخذوا يجوبون الشوارع الضيّقة بتمهل، وقد طلوا وجوههم التي لفحتها الشمس باللون الأسود، والتصقت قمصانهم بأجسامهم النحيفة التي تتصبب عرقاً. "إننا جيش الشعب"، أعلن أحدهم عبر مكبّر الصوت. إننا نحارب لكي يحصل جميع أفراد الشعب الكولومبي على عمل ويتقاضوا أجوراً تمكّنهم من تلبية احتياجاتهم، لكننا لا نستطيع أن نفعل ذلك من دون دعمكم وتأييدكم". خلت الشوارع، حتى الحيوانات الضالّة هربت عندما تناهت إليها أصوات الطلقات الأولى، وتابع الرجل كلامه قائلاً: "نرجو منكم أن تمدونا بالمساعدة وتقدموا لنا أيّ شيء يمكنكم تقديمه".

 

        كانت أرملة موراليس وبناتها الثلاث وابنها في البيت ينظفون مائدة الطعام. "هذا ما ينقصنا"، قالت الأرملة متذمّرة، وأضافت، "جماعة لعينة أخرى من المتمردين. لقد سئمت هؤلاء الشحاذين الملحدين الذين يأتون إلى القرية كلّ سنة".

        وركضت ابنتاها الأصغر سناً، غاردينيا ومانوليا، إلى النافذة بأمل أن تتمكنا من رؤية الثوار، بينما تشبث ابن الأرملة الوحيد، خوليو سيزار، بأمّه خائفاً. أما أوركيدا، أكبر أخواتها، فقد رمقت أختيها باستهجان وهزّت رأسها.

        لقد فقدت أوركيدا اهتمامها بالرجال منذ حوالي خمس سنوات. فقد كانت تعرف أنهم لا يجدونها جذّابة، ولم تكن، وهي في عمرها هذا - إحدى وثلاثون سنة – مستعدة لأن تعرّض نفسها للرفض مرة أخرى. فقد كانت أذناها مدببتين، وأنفها معقوفاً، وفمها صغيراً جداً على أسنانها الكبيرة المعوجة. وكانت تعلو ذقنها ثلاثة ثآليل تشبه حبات زبيب ذهبية اللون. عندما ولدت أوركيدا، كانت هذه النتوءات البشعة ترصّع خديها، لكنها عندما كبرت، هاجرت جنوباً وهبطت إلى ذقنها. كانت تأمل في أن تواصل هذه الثآليل هبوطها لتستقر في بقعة غير مرئية من جسدها. وكانت أوركيدا تدّعي بأنها عذراء، وهو أمر أكدّه مرات عديدة رجال ماريكويتا الفظين بملاحظات مثل: "لو كان لجميع العذارى أجساد مثل جسدها، لما لمسهن لامس طوال حياتهن". وكانت قد ورثت عن أبيها صدره: حلمتان صغيرتان داكنتان تقبعان جنباً إلى جنب فوق سطح صدرها المستوي. لكنها، على الرغم من توصية أخواتها بأن تحشو حمالة صدر كبيرة بقشور الذرة، فقد قرّرت ألا ترتدي شيئاً تحت بلوزاتها النظيفة الناصعة البياض. ولم يكن لأوركيدا محيط خصر، أو منحنيات في جسمها المستطيل. وكانت تتمتع بشخصية ساحرة للغاية. إذ كان بإمكانها أن تدخل في أحاديث مطوّلة عن نابليون بونابرت أو سيمون بوليفار أو شكسبير أو سيرفانتس، أو آيسلندا أو باتاغونيا، بالإضافة إلى المواضيع الفكاهية مثل السياسة في كولومبيا. فقد عقدت العزم على أن تلتهم معظم الكتب المتوفرة في المكتبة الصغيرة في مدرسة ماريكويتا. وعلى الرغم من سعة إطلاعها وسعة أفق آرائها، فقد كانت كاثوليكية ورعة، تؤمن بشدة بأن البابا رسول من عند الله، وكان أجمل حلم لها هو أن يوقّع لها الإنجيل، "إلى أوركيدا موراليس، المريدة الورعة. المخلص لك، يوحنا بولص الثاني".

        وعندما كانت أوركيدا أصغر سناً، تقدم أحدهم لطلب يدها، وهو عامل في مزرعة، يدعى رودولفو خيّل إليه أنه سيتمكن من تحسين ظروفه المعيشية إذا ما تزوّجها. لكن في عام 1986، عندما وصلت مجموعة من الثوار الماركسيين لأول مرة إلى ماريكويتا بحثاً عن متطوعين، فاجأ رودولفو أوركيدا بالالتحاق بهم، فأزعجها ذلك كثيراً إلى حد أنها أصيبت بالإسهال طوال شهرين كاملين. وأخيراً، وبعد يوم من استخدامها المرحاض، خرجت منه، ورفعت عقيرتها وقالت بثقة شديدة: "لقد انتهيت من إخراج حبّي لرودولفو بالخراء!"

        ومنذ ذلك الحين، لم يعد لأوركيدا  صديق، ولم تعد تصاب بالإسهال.

 

        "نرجو أن تخرجوا من بيوتكم وتلتحقوا بنا في ساحة القرية لنتحدث قليلاً"، صاح أحد الثوار عبر مكبّر الصوت، "لن نؤذي أحداً منكم. إننا نكافح للدفاع عن حقوقكم، وعن حقوق جميع المواطنين في كولومبيا". ومع أنه أخذ يردد ذلك مرة إثر مرة، وفي كل مرة أعلى من المرة السابقة، لم يلبّ أحد دعوة الثائر إلا معلّم المدرسة، ورجلين سكرانين، ومومس مصابة بالأرق، وثلاثة كلاب ضالّة.

        "هل يمكنني أن أذهب يا أمّي؟" سألت غاردينيا موراليس أمّها التي كانت منهمكة في غسيل الصحون يساعدها خوليو سيزار .

        "لا أريد أن تحضري اجتماعات شيوعية".

        "لكن لا يوجد لديّ شيء أفعله".

        "اذهبي وابحثي عن حقيبة الخياطة وأكملي خياطة اللحاف لزوجة القاضي. سنحتاج إلى النقود قريباً".

        "إنه يوم أحد يا أمّي، وأريد أن أخرج".

        "سمعتِني جيداً يا غاردينيا"، قالت الأرملة، رافعة صوتها، وكذلك عينيها.

        ابتعدت غاردينيا غاضبة، مخلّفة وراءها رائحة كريهة. غطّى خوليو سيزار أنفه وفمه بكلتا يديه وهمهم من بين أصابعه، "أرجوك يا أمّي، لا تزعجيها".

        ومثل أخواتها، سمّيت غاردينيا على اسم زهرة فوّاحة: فعندما تغضب، أو تحزن أو تقلق، تنبعث من جسمها رائحة مختلفة تماماً عن الرائحة التي تنبعث من تلك الزهرة الرقيقة الرهيفة. ومهما استحمّت في المياه الدافئة التي تتضوع منها رائحة الورد وزهرة العسل والياسمين، أو مهما رشّت جسمها بالعطور ذات الروائح الجميلة، كانت عندما تغضب، تنبعث من مسامات جسدها رائحة كريهة مثل الجيفة. ولم يتمكن الدكتور راميرز - الطبيب الوحيد في القرية – من علاج مشكلة الرائحة، وقال السحرة والمشعوذون الذين أخذتها أمّها إليهم إن غاردينيا مسكونة بروح شرّيرة. ولما لم يكن بالإمكان عمل شيء، كيّفت أسرة موراليس نفسها للعيش في ظل هذه الرائحة الكريهة المتكرّرة. وما عدا ذلك، كانت غاردينيا جميلة، في السابعة والعشرين من عمرها، ولم تكن تكفّ عن تحدي أخواتها للعثور على بقعة واحدة أو تجعيدة واحدة في وجهها. كانت ذات عينين سوداوين واسعتين، وشفتين ممتلئتين تخفيان صفين من الأسنان البيضاء المصقولة. وكان حاجباها سميكين، لم تنتف أي شعرة منهما قط، مع أنها كانت تفتل رموشها في بعض المناسبات الخاصة. وكانت تزيّن دائماً عنقها الرقيقة الطويلة قلادة معطرة من القرنفل وبذور حبّ الهال وأعواد القرفة المجففة في خيط غير مرئي من النايلون. وكانت تضع وراء أذنها اليسرى، أزهاراً طازجة، أو زهرة بواق الملاك، أو زنابق الوادي، أيهما تكون رائحته أفضل في ذلك اليوم. وكانت تمدّ لسانها، بشكل تلقائي تقريباً، كلّ بضع ثوان لتبلل شفتيها، وهي عادة كانت النساء الورعات في ماريكويتا يعتبرن أنها توحي بالشهوة. لكن مثل أختها الكبرى، كانت غاردينيا عذراء. وكان قد طلب يدها ثلاثة رجال من قرى قريبة، هربوا جميعهم عندما فهموا مصدر الرائحة الكريهة. وحتى عندما وصلت المجموعة الثانية من الثوار إلى ماريكويتا بحثاً عن متطوعين في عام 1988، كانت غاردينيا واحدة من النساء القليلات اللاتي لم يبد الثوار الشهوانيون، الذين كانوا يجرون وراء الفتيات، اهتماماً بمغازلتها.

 

        عندما قرر القرويون عدم مغادرة بيوتهم لحضور الاجتماع الذي دعا إليه الثوار، اتخذ الثوار قراراً بزيارة البيوت بيتاً بيتاً لجمع التبرعات، آملين أن يجدوا شباناً ينعمون بصحة جيدة يقبلون التطوع في صفوفهم والانضمام إلى حركتهم. إلا أنه لم يفتح لهم الباب سوى عدد قليل جداً من الأسر. فقد سئم أهالي ماريكويتا وتعبوا من مضايقات مجموعات الثوّار الكثيرة التي لم تكن تتوقف عن الصعود إلى الجبال والهبوط منها وهي تطلب التبرع بما تيسّر من النقود والدجاج والخنازير والبيرة، وإغواء النساء الساذجات البريئات بمواقفهم الرجولية وبدلاتهم ذات اللون الزيتوني الداكن، يفوزون بقلوبهن البكر وبرؤوسهن الخاوية، ثم يغادرونهن أخيراً بعد أسبوع أو أسبوعين، ويتركونهن ملوثات السمعة، بطونهن منتفخة، ولا تعود أمامهن فرص كثيرة للزواج.

        وعندما أخبرت مانوليا موراليس، التي لم تبارح النافذة منذ قدوم الثوّار، أمّها بأنهم يقرعون جميع الأبواب، هرعت الأرملة ولفّت بقايا طعام الفطور في أوراق الموز، ووضعت صرة الطعام الصغيرة على عتبة بيتهن.

        " على الأقل يجب أن نعطيهم طعاماً يا أمّي، إنهم شيوعيون، وليسوا كلاباً"، قالت مانوليا.

        "لا"، قالت الأرملة بحزم، "إذا فتحت ذلك الباب، فإنهم سيبدؤون بإلقاء محاضرة علينا عن الشيوعية ومغازلتكن يا فتيات. بالتأكيد لا".

        "أريد أن أكلمهم يا أمّي. لن أهرب مع أحد الثوار".

        "كلميهم من النافذة"، قالت أمّها، ودفعت كرسياً خشبياً ثقيلاً تسدّ به الباب.

        كانت مانوليا موراليس، أصغر أخواتها الثلاث، في الثانية والعشرين من عمرها، لكنها كانت تبدو أكبر من ذلك بكثير. وكان نهداها المترهلين يبدوان من تحت البلوزات الشفّافة التي تحبّ ارتداؤها؛ وكان ردفاها عريضين، يكادان يكونان مسطحين. وكانت ساقاها تشبهان ساقيّ رجل، مكسوتين بالشعر وبالعضلات، فكانت تخفيهما بجوارب نسائية داكنة. ولم يكن ينقص وجهها شيء: فقد كانت عيناها داكنتين، وكذلك رموشها وحاجباها وفمها وأنفها والكثير من الشعر غير المرغوب فيه. وكانت في الماضي تنتف شعراتها الخشنة والشعرات الزائدة التي تنبت على شاربها، لكن الشعر العنيد – مثل الثوار – كان يعود باستمرار. فقرّرت أخيراً أن تتركه ينمو بالسرعة والطول كما يشاء، وهكذا كان. أما شعر رأسها، فكان ينسدل بحرية حتى خصرها، أسود براقاً.

        وكما كان يتردد على ألسنة العوانس في القرية، فمن المؤكد أن مانوليا لم تكن عذراء، ولو أنها كانت تطلب نقوداً من جميع الرجال لقاء ما تقدمه لهم من أفضال وخدمات، لأصبحت مليونيرة. ولما أصبحت سمعة الفتاة سيئة للغاية في القرية، كان من الأفضل لها أن تبيع نفسها. في الحقيقة، لم تنم مانوليا مع عدد كبير من الرجال، لكنها كانت تنام مع الرجال غير المناسبين: الرجال الذين كانوا يتبجحون بالتحدث عن علاقتهم معها. في البداية، عندما تناهت إليها هذه الإشاعات، حبست نفسها في غرفة النوم لمدة تزيد على ستة أشهر، وقد خيّل إليها أن الناس سينسون سمعتها التي لحق بها ضرر شديد. وفي عام 1990، عندما وصلت إلى القرية  ثالث مجموعة من الثوار، خرجت مانوليا من خلوتها، راجية أن تلتقي بشخص جديد. كان ذلك عندما أدركت أن سمعتها هي أقلّ مشاكلها، بعد أن تمكن الثوّار من إقناع الرجال العزاب في ماريكويتا بالالتحاق بصفوف الثورة. وفجأة، تبخر أعزّ أحلام مانوليا وهو الزواج من رجل وسيم غني، بل وحتى ثاني ثاني أعزّ حلم لها، وأصبح زواجها من أيّ رجل أمراً بعيد المنال. محطمةً، راحت تنظر من نافذة غرفة نومها، تراقب عدداً كبيراً من الشبان العزاب يغادرون القرية مع الثوار، وراحت تلوّح بيدها ببطء في الهواء، وأجهشت في البكاء عندما اختفى آخر رجل عن مرأى عينيها.

 

 

        مرة أخرى، تجمّع الثوار الأربعون في ساحة القرية عند الظهيرة. وجلسوا على الأرض تحت ظلّ شجرة مانغا، وأخذوا يحصون المواد التي جمعوها: دجاجتان حيّتان ضامرتان، أربعة أرطال من الرزّ، ثلاثة لترات من الكوكا كولا الخالية من السكر، ستة قطع من البانيلا، ثلاث رزم صغيرة من بقايا الطعام، وحفنة من العملة المعدنية الصدئة. وكان برفقة الثوار شاب جديد جُنِّد حديثاً يدعى أنخيل ألبيرتو تاماكا، معلّم المدرسة في ماريكويتا، الذي يبلغ من العمر ثلاثاً وعشرين سنة. وهو الابن الوحيد لثائر أسطوري قُتل عندما لم يكن أنخيل يتجاوز بضعة أشهر من العمر. ورُبَّت أنخيل أمّه، سيسيليا غوارايا، وزوجها الثاني، دون ميسايل فيداليس، وهو رجل حكيم انتقل إلى ماريكويتا منذ سنوات قليلة، لا يملك شيئاً إلا غدته الدرقية المتضخمة، وثلاثة صناديق كبيرة مليئة بالكتب، أصبح بعد ثلاثة أشهر أول معلّم في حياة بلدة ماريكويتا. وتعلم أنخيل من أمّه حسن السلوك والأخلاق الحميدة والانضباط والمثابرة. وتعلّم من زوج أمّه الرياضيات والجغرافيا والعلوم ومبادئ الشيوعية.

        وبخلاف معظم الشبان في القرية، لم يؤد أنخيل ألبيرتو الخدمة العسكرية. فقد اتصل دون ميسايل بشخص يدين له بفضل، اتصل بدوره بشخص آخر، وبعد اتصالات لا نهاية لها مع أشخاص راح كل منهم يذكّر الآخر بالأفضال والخدمات المجانية التي أسداها للآخر، وصل اسم أنخيل أخيراً إلى شخص ذي نفوذ فحرّره من واجباته تجاه البلاد. ثم بدأ دون ميسايل يدرّب أنخيل لكي يخلفه كمعلّم في مدرسة ماريكويتا الابتدائية. وبعد أن علّم جيلين كاملين القراءة والكتابة، والجمع والطرح، والضرب والتقسيم، تعب الرجل العجوز. وأصبحت عيناه كليلتين، ووهنت ذراعاه وساقاه. وأصبح بإمكانه أن يحصي بسهولة خصلات شعره المتبقية على رأسه اللامع، وازدادت غدته الدرقية تضخماً إلى درجة أنه أطلق عليها اسم "بيبي" وفكّر في أن  تسجيل بيبي في استمارة ضريبة الدخل كمعال.

        وقبل أن يبلغ أنخيل ألبيرتو تامارا الثامنة عشر من عمره، أصبح أصغر المعلمين سناً في ماريكويتا، وأصغر مثير للشغب في القرية. فقد كان يسخر علناً من الحزبين السياسيين التقليديين، وكان يطلق شعارات ضد الحكومة الراهنة: "رأسماليون خنازير، استغلاليون". أما بالنسبة لتلاميذه، فقد أصبح" الأستاذ"، وأصبح بالنسبة للقاضي "المجنون"، وأطلق عليه الكاهن اسم "الشيطان"، وأطلق عليه معظم الرجال في القرية اسم "الشيوعي". أما النساء، فقد كنّ يطلقن عليه أسماء محببة مختلفة مثل: "باباسيتو  وبونبونسيتو وبيزكوشيتو"وما إلى ذلك من أسماء الدلع.

        وقد منح عمل أنخيل الجديد له الثقة، وشحذ مهاراته في فنون القيادة. ففي أوقات فراغه، كان ينتقل من بيت إلى بيت يعلّم الناس مقاطع من بيان الحزب الشيوعي. وسرعان ما أنشأ ما يسمى "لحظة الحقيقة"، وهو اجتماع يعقد بعد ظهر يوم الأحد في الساحة – أو داخل المدرسة إذا كان الجو ماطراً – أخذ يتحدّث فيه عن عقيدتي ماركس ولينين، ويقرأ أشهر خطابات فيدل كاسترو وتشي غيفارا، ويتلو أشعار نيرودا، وينشد أكثر الأغاني إثارة للجدل لمرسيدس سوسا، وسيلفيو رودريغيز، وفيوليتا بارا.

        في البدء، لم تجذب لحظة الحقيقة هذه إلا حفنة قليلة من الأشخاص، لكن بعد أن بدأ دون ميسايل يقدم البيرة، أصبحت لحظة الحقيقة من أشد الفعاليات شعبية خلال الأسبوع. وبعد بضعة أشهر، بدأ الناس يرددون القصائد الاشتراكية والخطابات الشيوعية. وحفظوا عن ظهر قلب "لا مازا" و" Si Se Calla El Cantor" وأغاني ثورية أخرى استنبطوا لها خطوات وحركات نشيطة، مستحدثين رقصة فريدة كانت مزيجاً من التانغو والسالسا وسوانخارينو. وعُمّد خمسة مواليد جدد بأسماء فلاسفة وثوّار شيوعيين وأماكن أسطورية تتعلق بالشيوعية: هوشي منه أوسبينا، وتشي لوبيز، وفيتنام كالدرون، وتروتسكي وكوبا سانتشيز. وأصبحت الشيوعية التي كانت تعبيراً غريباً وأجنبياً بالنسبة لمعظم القرويين، مرادفة للتسلية بعد ظهر يوم الأحد.

        وكان أنخيل يدرك أن القرويين لا يأخذون عقائده على محمل الجدّ، لكنه كان يشعر بالفخر لأنه تمكن من رفع وعيهم السياسي. ولم يكن هناك شيء يدخل إلى نفسه السرور أكثر من سماعه رجلين عجوزين يتحدثان عن كارل ماركس وكأن هذا الفيلسوف جارهما، وكأنهما يفهمان أفكاره تمام الفهم ويتفقان معها، وليسا مجرد رجلين سكرانين عجوزين. إلا أن أنخيل أحس بخيبة أمل شديدة عندما نسي معظم القرويين، في يوم الانتخابات، بعد سنتين من التلقين المتواصل، ماركس ولينين وكاسترو وتشي غيفارا، وصوّتوا لصالح مرشحي الحزبين التقليديين.

        وعلى الرغم من ميوله الشيوعية، جاء خبر انضمام أنخيل إلى الثوّار مفاجأة لجميع أهالي القرية، لأنه أتيحت له فرص عديدة للانضمام إليهم في السابق، فلم ينضم إليهم. ولم يفكّر أحد من أهالي ماريكويتا بأن الأستاذ، المجنون، الشيطان، الشيوعي، البومبونسيتو، سيتحلى بالشجاعة ويتخذ هذه الخطوة الجريئة. لكن الشيء الذي لم يكونوا يعرفونه هو أنه كان لأنخيل سبب يدفعه للمغادرة هذه المرة. فقد أُغرم بأموروزا، المومس التي تعمل في ماخور لا كازا دي إميليا، والتي غادرت ماريكويتا مؤخراً دون أن تودعه. واعتصرت أنخيل آلام مغادرتها. ولم يعد يأكل، أو ينام، أو يفكّر بأي شيء آخر سواها. لذلك تعيّن عليه أن يذهب مع الثوار، أو مع السيرك الجوّال، أو مع رهبان الكابوشية، أو أن يتلاشى مع الأمطار الغزيرة التي تهطل في تشرين الثاني (نوفمبر) قبل أن يجنّ ويفقد صوابه.

        بدأ الثوّار يأكلون الطعام، ويشربون الصودا التي جمعوها من أهالي القرية. وعندما أنهوا طعامهم وشرابهم، أخذ القائد بيدرو، وهو رجل طويل القامة، تزيّن وجهه الأسمر ندبة تجري على جانب رقبته، بموازاة أوداجه، يسير بخطوات وئيدة بين جنوده، محدقاً في وجه كلّ واحد منهم من دون أن ينبس ببنت شفة. ثمَ صاح أخيراً، "ماتاموروز، أريد أن أحدثك على انفراد". وغادر الرجلان المجموعة وراحا يسيران عبر الساحة، ووقفا في وسطها بالقرب من تمثال نصف مشوّه لبطل مجهول. أخذا يتحدثان همساً. كان من الواضح أن المسألة التي يبحثانها هامة، بل حتى خطيرة، لأنه بدت على وجهي الرجلين علائم التوتر. ثم تصافحا بطريقة رسمية وعادا إلى الثوّار الآخرين. انتقى القائد بيدرو ستة من الثوّار، بمن فيهم أنخيل تاماكا، وأمرهم بالاستعداد للمغادرة، ثم قال: "وسيتلقى البقية منكم الأوامر من ماتاموروز". وبعد خمس دقائق، أدّى القائد بيدرو وأنخيل وخمسة رجال آخرين التحية العسكرية، وتوجّهوا صوب الجبال.

      كان ماتاموروز شاباً طويل القامة في العشرينات من عمره، وسيماً، ما عدا أن عينه اليمنى كانت مفقوءة، وكانت قد فقئت منذ ثلاث سنوات بعد أن أصابت طلقة وجهه أثناء معركة مع الجيش الكولومبي. وكانت أسنانه الأربع الأمامية العليا مذهّبة، وكأنه يريد أن يعوّض عن خلو وجهه من أي تعابير. وبوجود هذا القدر من الذهب في فمه، كان يشعر بأن الأوامر التي يصدرها تحمل في طياتها تأثيراً إضافياً. انتظر ماتاموروز عشر دقائق أو خمس عشرة دقيقة قبل أن يصدر أوامره لرجاله المتحمسين، المتلهّفين، ثمّ أمسك مكبّر الصوت بيده وأخذ يصيح:

      "نشعر بانزعاج شديد من تصرف أهالي هذه القرية".

      نهض الثوّار ووقفوا على أقدامهم.

      "لقد طلبنا منكم بعض الطعام، فقدمتم لنا الفتات".

      ثبّتوا حقائبهم على ظهورهم.

      "طلبنا قليلاً من النقود لنواصل الكفاح من أجلكم، وكلّ ما قدمتموه لنا بضع قطع نقدية لا قيمة لها".

      تفحصوا بنادقهم القديمة وتأكدوا من أنها محشوة بالطلقات.

      "طلبنا منكم أن ينضم إلينا عدد من الشبان ليساعدونا على تحرير بلادنا من الإمبريالية، وماعدا معلّمكم، ركضتم جميعكم إلى بيوتكم كالصراصير".

      انقسموا إلى فصائل تتألف الواحدة منها من خمسة ثوّار.

      "إنكم أنانيون جبناء لا تستحقون استعدادنا للتضحية بأنفسنا من أجلكم".

      اصطفوا ووجهوا أسلحتهم نحو السماء التي خلت من أشعة الشمس.

      "اسمعوا جيداً، أيها الناس، سأكرر عليكم ما كنت قد قلته لكم: إن كان أحدكم يبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة، ولديه خصيتان بين ساقيه، فيجب أن ينضمّ إلى رجال الثورة اليوم. تعالوا إلى الساحة فوراً، وإلا سنقتل كل من نجده بعد ذلك".

      وأخيراً، انتظروا آخر أمر يصدره ماتاموروز: "يا رفاق: باسم الثورة الكولومبية، انطلقوا وخذوا ما تقع عليه أيديكم".

      أطلق الثوّار عدّة طلقات في الهواء، ثمّ انطلقوا إلى القرية، وراحوا يركلون الأبواب ويفتحونها عنوة، ويملؤون حقائبهم بالطعام والمال، ويجرّون الرجال، صغاراً وكباراً، خارج بيوتهم، ويسحبونهم من تحت أسرّتهم، ومن داخل خزائن الثياب، أو من داخل الصناديق التي يختبئون فيها، ويطلقون النار على كلّ من يقاومهم. وكان دون ماركو توليو سيفوينتيس، صاحب حانة القرية، أول رجل تُطلق عليه النار، فأصيب بطلقة في ساقه عندما حاول الهرب من سطح بيته. وفي خضم محنتها، انقضَت إلويسا، زوجة الرجل الجريح، على المعتدي وراحت تكيل له الضربات بيديها العاريتين، مما أثار حنق الثائر الذي ما إن خلّص نفسه من بين يدي المرأة المجنونة، حتى أطلق النار على دون ماركو توليو مرّتين في رأسه. وعلى بعد شارعين، هُرع سارجنت الشرطة، باتينو ومساعداه الاثنان، خارج بيت القاضي (حيث كانوا مختبئين) حاملين بنادقهم. وعندما شاهدوا الثوّار العديدين، ألقى رجلا الشرطة سلاحيهما على الأرض ورفعا أيديهما. لكن السارجنت تمكن من إصابة أحد الثوّار بعد أن أطلق عليه طلقة واحدة من مسدّسه وأرداه قتيلاً. وقوبل عمله البطولي بإطلاق تسع عشرة طلقة ثقبت جسمه من جميع الاتجاهات. وقبل أن يتهاوى على الأرض، تجمّد جسم السارجنت مثل تمثال ينتصب في نافورة يسيل منه الدم الذي غطى الأرض. وبعد قليل، خرج بقية الرجال، بمن فيهم القسّ رافائيل - من مخابئهم خجلين – وساروا، ورؤوسهم مطرقة بالأرض، وأيديهم مرفوعة، باتجاه الساحة.

 

 

      راحت أرملة موراليس تذرع غرفة الجلوس في بيتها. كانت عيناها مغمضتين نصف إغماضة، ويداها معقودتين وراء ظهرها، تمعن التفكير بالطريقة التي تمكنّها من منع الثوّار من أخذ ابنها خوليو سيزار، الذي لما يتجاوز بعد الثالثة عشرة من عمره. ووقفت أوركيدا  وغاردينيا ومانوليا في إحدى أركان الغرفة يمسكن أيدي بعضهن، ينتظرن أمّهن أن تهدئ من روعها. وفجأة، لم يخطر ببال الأرملة أي فكرة. أعطت بناتها الثلاث تعليمات محددة وأخذت تبحث عن الثوب القديم الذي ارتدته بناتها أثناء مراسم تناول العشاء الرباني الأول في ثلاث مناسبات منفصلة. وجدته مجعّداً في صندوق تحت سريرها. قالت لنفسها إنه سيؤدّي الغرض. في تلك اللحظة، تذكّرت الأرملة أن الله موجود بالإضافة إلى طائفة القديسين الذين تستطيع أن تتوّجه إليهم في الأوقات العصيبة، وبالرغم من ضيق الوقت، أشعلت شموعاً أمام صور القديسين العديدة المتناثرة في أرجاء البيت. ثمّ راحت تتلو صلواتها وهي تبحث عن ابنها المذعور، "أبانا الذي في السموات... خوليو سيزار! ليتقدس اسمك... خوليو سيزار! ليأتِ ملكوتك، وسيكون لدنك... خوليو سيزار، أين أنت بحق الجحيم؟" ووجدت الفتى الصغير النحيل مختبئاً تحت سريره، وجسده يرتعش رعباً. "هيا أسرع، ارتدِ هذا الثوب"، أمرته وألقت بالثوب الأبيض المنفوش على سريره. "أعطنا خبزنا كفاف يومنا"، راحت الأرملة تردد الكلمات بطريقة آلية، تتوقف بين الحين والآخر وهي تحثّ خوليو سيزار على الإسراع. ساعدته في إغلاق سحّاب ثوبه من الخلف، ولفّت رأسه الصغير بمنديل حريري أبيض وثبتته بتاج بلاستيكي. وأشار الصبي المعقود اللسان إلى قدميه العاريتين. "لا تقلق بشأن الحذاء"، قالت، ثمّ دفعته إلى غرفة الجلوس.

      عندما داهم ماتاموروز وأربعة من رجاله بيت موراليس، وجدوا أوركيدا  وغاردينيا ومانوليا يقفن صامتات في غرفة الجلوس، ورأوا أمّهن في المطبخ تصنع مربى الجوافة، أما خوليو سيزار فقد كان جالساً على الكرسي الخشبي الهزاز مثل مريم عذراء صغيرة، يمسك بيده الإنجيل، وقلبه معلق في فمه. وقف ماتاموروز بالقرب من الباب، حاملاً بيديه بندقية طويلة. دخل الثوّار الأربعة الذين يرافقونه وراحوا يطوفون أرجاء البيت، معكّرين صفو الغرف وهم يطؤون أرضيتها بأحذيتهم العسكرية الوسخة، ويفتّشون في كلّ ركن وزاوية عن رجال في عمر ملائم ليطلقوا النار عليهم.

      "الرجل الوحيد في هذا البيت كان زوجي جاكوبو"، قالت الأرملة مخاطبة ماتاموروز، وهي تشير إلى صورة كبيرة لرجل معلقة على الحائط يحفّها إطار، قد يخيّل للمرء أنه وينستون تشرشل، وأضافت، "لقد توفي بالسرطان منذ عشر سنوات". وغطّت وجهها بكلتا يديها وأجهشت في البكاء بصوت مرتفع من خلال أصابعها.

      "ألا يوجد عندك أبناء يا سيدتي؟" سألها ماتاموروز، وهو يرمق خوليو سيزار بطرف عينه.

      "لا يا سيدي"، راحت تنشج بشدة، "لقد رزقني الله أربع بنات جميلات".

      "يمكنني أن أرى ذلك"، قال، وأخذ يذرع الغرفة ذهاباً وإياباً، وهو يحدّق في الصبي. بدأ يعتري الفتيات شعور متزايد بالكرب، وكما كان متوّقعا، بدأت غاردينيا تنفث أبخرتها ذات الرائحة الكريهة. "ما اسمك، يا فتاتي الصغيرة؟" قال ماتاموروز أخيراً، مخاطباً خوليو سيزار. شحب وجه الفتى وفغر فمه. في تلك اللحظة، انضم الثوار الأربعة إلى رئيسهم في غرفة الجلوس.

      "لا شيء يا كوماندانت"، صاح أحدهم، "لا يوجد أي رجل عازب في هذا البيت".

      "لنذهب إذن"، قال ماتاموروز، مشيراً إليهم بأن يخرجوا.

      "كوماندانت"، قال أحد الثوّار، ونظرة شهوانية تعلو وجهه الصغير، "هل يمكننا أن نضاجع الفتيات؟"

      "بالتأكيد يا رفيق"، أجابه القائد، "هذا إن كنت لا تبالي برائحة الخراء في هذا البيت"، وبصق على الأرض. وفجأة، شمّ الثوّار الرائحة الكريهة فأسرعوا خارجين، جميعهم ماعدا أصغرهم سناً، فقد حلّ المنديل الأحمر من حول عضلة ذراعه، وغطّى به أنفه وفمه، واتجه نحو الفتيات الثلاث. لم يبد عليه أنه يتجاوز الخامسة عشرة من العمر، كان فتى هندياً داكن البشرة، يفتقد أحد أسنانه الأمامية العليا. وقف إلى جانب أوركيدا ، وراح يعتصر حلمتيها بيد، وهو يمسك بندقيته القديمة باليد الأخرى.

      "أرجوك لا تفعل ذلك"، قالت أوركيدا  متوسلة، وهي تبتعد عن الفتى، "إنني عذراء".

      "هذا أفضل"، قال الفتى ساخراً، ودسّ يده بين ساقيها. أغمضت غاردينيا عينيها وأطرقت برأسها. ابتسمت مانوليا للصبي ووضعت أدوات خياطتها جانباً، راجية أن يأتي دورها. لكن الفتى أدار عينيه الشهوانيتين نحو خوليو سيزار، الذي أخذ يهزّ الكرسي بسرعة أكبر. "لا بد أن تكوني أنتِ عذراء أيضاً"، قال الفتى، واقترب من خوليو. وثبت الأخوات الثلاث، ورحن يصرخن، وصاحت أمّهن التي كانت تتلو صلواتها بصمت، "لا تلمس ابنتي الصغيرة!" وجرت ووقفت إلى جانب ابنها. "افعل ما تشاء بالفتيات الثلاث الأخريات... خذني إذا أردت، لكن أرجوك لا تلمس جوليا".

      "ولم لا؟ "سأل الولد متهكماً.

      "إنها لا تزال فتاة صغيرة. حتى إنها لم تتناول بعد قربانها المقدس الأول".

      ضحك الفتى بصوت عال من وراء القماش الذي يغطي فمه وقال: "حسناً، ستتناوله الآن"، ووضع يده بين ساقيه.

      تملكت الأرملة قوّة مفاجئة لتصفع الفتى الصفيق على وجهه. ونتيجة هذا الدافع القوي، وقفت بينه وبين ابنها وقالت بحزم: "لن أدعك تنفذ أساليبك الشريرة القذرة".

      "سينيورا، إنني أحذّرك: ابتعدي عن طريقي".

      "يفترض بك أن تناضل من أجل حقوقنا، لا أن تنتهكها"، قالت تدينه، ويداها فوق وركيها. "نحن النساءَ، لدينا حقوق أيضاً، وسنبذل أنا وبناتي ما بوسعنا لحماية أنفسنا من حقيرين من أمثالك".

      "أنتن النساءَ لا يحق لكنَّ شيء"، قال الثائر الفتى بازدراء، " ستكون هذه الأرض للرجال وستبقى كذلك". ووجّه لكمة على وجهها، وصاح، "إذا اقتربتِ مني ثانية أطلقت النار عليك!" فكّ حزامه، وحلّ أزرار سرواله الوسخ وبدأ يشده إلى الأسفل بتمهل. راح خوليو سيزار يهزّ كرسيه بسرعة، ويبكي، بينما راحت أوركيدا  ومانوليا تقضمان أظافرهما في ركن الغرفة. أما غاردينيا، التي كان من الواضح أنها ازدادت اهتياجاً، فقد جلست وراحت تهوّي نفسها بطرف تنورتها الطويلة، مُفسدة الهواء في الغرفة برائحة عرقها. أصبحت الرائحة الكريهة الآن لا تطاق. سقط الفتى على ركبتيه وراح يتقيأ. وبينما كان يتقيأ، نهضت دونا فيكتوريا من الأرض، وفتحت الباب ودفعت الفتى شبه العار وركلته بقدمها الحافية. وراحت تراقبه يتدحرج  هو وبندقيته على الدرج ويسقط على الأرض، ثمّ صفقت الباب وأغلقته بقوة.

      عندما تضاءلت مخاوف غاردينيا، زالت الرائحة، وراحت الأرملة تجوب البيت حاملة بيدها قنينة كحول، تشمّم بناتها منها - وتشمّم ابنها حتى استعادوا جميعهم وعيهم من الصدمة والرائحة المقززة. وجلسوا هم الخمسة حول مائدة الطعام، أيديهم متشابكة، وراحت أمّهم العجوز تتلو بضعة أدعية وصلوات بين الدموع والضحكات المتوترة.

      في الخارج، استمر إطلاق النار في الشوارع، يتخلله بين الحين والآخر صوت بكاء مفجع لأرملة جديدة، وبكاء طفل يتيم آخر.

 

 

      عندما توقّف إطلاق النار بعد ساعة، خرجت الأرملة موراليس من البيت. كان طرف وجهها الأيسر متورماً. وتجمهرت نساء ماريكويتا على جانبي الشارع الرئيسي، وأفسحن مجالاً ليمرّ منه رتل الرجال والفتيان الذين اقتادهم الثوّار. كان هؤلاء الرجال هم جيران وأصدقاء الأرملة موراليس: الرجال الذين رحبوا بها وبزوجها وبابنتيها الكبيرتين عندما وصلوا إلى ماريكويتا للمرة الأولى في عام 1970، الرجال الذين أحضروا لها أزهاراً بعد أن أنجبت طفليها، وبعد سنوات، الرجال الذين جاؤوا لتقديم تعازيهم لها بوفاة زوجها. هؤلاء هم الرجال الوحيدون الذين عرفتهم خلال اثنتين وعشرين سنة. وهؤلاء الصبية يسيرون إلى جانبهم، أبناؤهم الصغار، الذين كانوا يأتون إلى بيتها بعد ظهر كلّ يوم لأداء الواجب المدرسي مع خوليو سيزار، الصبية الذين كانوا يساعدونها في حمل سلتها المليئة بالسلع من السوق، الصبية الذين كانوا يلعبون كرة القدم صباح كلّ يوم أحد في الساحة المفتوحة أمام بيتها.

 

      ورأت الأرملة النساء ينتحبن عندما بدأ رجالهن يمرّون من أمامهن مطرقين برؤوسهم. رأت سيسيليا غوارايا وهي تعطي زوجها العجوز نظارته، ورأت جوستينا بيريز وهي تعطي زوجها طقم أسنانه. ورأت أوبالدينا ريستريبو وهي تعطي ابن زوجها الأصغر، كامبو إلياس الابن، مسبحتها. ورأت آخريات يعطين أزواجهن صوراً عائلية، وطعاماً ملفوفاً في أوراق الموز، وفراشي أسنان، وساعات منبّه، ورسائل غرامية، ونقوداً. ورأت النساء يبكين وهن يعانقن رجالهن ويضمونهم بقوّة إلى أجسادهن، ويقبّلونهم لآخر مرة، لأنهنّ كنّ يعرفن أنهنّ لن يروهم مرة أخرى، وأن هؤلاء الأزواج والأبناء وأبناء العم، وأبناء الأخ والأصدقاء، قد لقوا حتفهم هنا، في هذه اللحظة، أمام عيونهن.

      وفي اللحظات الحزينة، كانت الأرملة تحنّ دائما إلى زوجها المرحوم. لكنها لم تبك هذه المرة. وشكرت الله في سريرتها لأنه جعله يصاب بالسرطان لكي يموت في البيت بين ذراعيها. وشعرت بأسف شديد على باقي نساء القرية، ولم تتمالك نفسها وأطلقت تنهيدة طويلة عندما رأت آخر رجلين يختفيان وسط سحب الغبار التي أثارتها أقدامهم الزاحفة.

      استدارت الأرملة موراليس ببطء. وبتؤدة، راحت تسير نحو بيتها، يتبعها صدى طويل من العويل. دخلت، وأمسكت مقبض الباب بكلتا يديها ودفعت الباب وأغلقته بجبهتها. وظلت هكذا، وهي تبكي، لمدة طويلة.

        لقد تحوّلت ماريكويتا العزيزة على قلبها إلى قرية أرامل في أرض الرجال.

 

 

غوردن سميث، 28 سنة، مراسل أمريكي

"جون ر." 13 سنة، جندي من الثوّار

 

      بعد ظهر يوم الأحد. كنت أجلس في بقعة خالية من الأشجار، بالقرب من معسكر للثوار بانتظار جون الذي وافق على أن أجري مقابلة معه.

      كان معسكر المتمردين عبارة عن أرض صغيرة تقع في مرتفعات المقاطعة، وهو يبعد حوالي ثلاثة أيام سيراً على الأقدام من أقرب قرية.

      وفجأة برز جون من الغابة، فتى صغير ملتف في بدلة رسمية ذات لون زيتوني قاتم، فضفاضة، يعلق بندقية على كتفه. كان وجهه الصغير، المكسو بالنمش، يلمع من العرق. ويعلو ظلّ خفيف من الشعر فوق شفته العليا موحياً بأن شارباً سينمو في الأيام القادمة. وكان شعره، مما تمكنت من رؤيته تحت قبعته، أسود اللون. وكان يبدو عليه أنه لا يتجاوز الاثنتي عشرة سنة، أو ربما ثلاثة عشرة سنة من العمر. تصافحنا وتبادلنا الابتسامات.

      "اجلس أيها الفتى"، قلت، مفسحاً له مكاناً فوق جذع الشجرة الذي أجلس عليه.

      "لا، شكراً"، أجاب، وهو يهزّ رأسه،" لا بأس هنا. وبالمناسبة، فأنا لست فتى. إنني في الخامسة عشرة من عمري".

      لم ينكسر صوته بعد، وكان يتحدث بصوت مرتفع، وكأنه يريد أن يعوّض عن صغر سنه.

      كنت قد رأيت جون لأول مرة أثناء مباراة كرة قدم جرت قبل ساعتين فقط في هذه البقعة بالذات. وكان يبدو أن جون أصغر اللاعبين في الفريقين - طفل يمازح رفاقه. "الصبي الجندي"، قلت لنفسي، سيكون عنواناً جيداً لقصّة.

      لكن الفتى الجالس أمامي الآن لم يكن هو جون نفسه الذي كنت قد رأيته منذ قليل. فقد كان هذا الفتى يتظاهر بأنه أكبر سناً وأطول قامة مما هو في الواقع. رفع إحدى ساقيه وسحب من جوربه علبة مارلبورو. ضربها ثلاث مرات على راحة يده قبل أن يقدم لي واحدة. كنت قد أقلعت عن التدخين منذ حوالي السنة، لكنني قلت لنفسي لعل السيجارة تساعد على كسر الجليد بيننا، لذلك أخذت واحدة. ثم أخرج قداحة مصنوعة في شكل هاتف خليوي صغير.

      "إنها قداحة جيدة"، قال، وهو يعطيني إياها، "إنها مصنوعة في الولايات المتحدة الأمريكية".

      "كيف عرفت ذلك؟ "سألته، قرأت على القداحة عبارة "صنع في الصين".

      "أعطاني إياها شاب أمريكي. جاء إلى هنا لإجراء مقابلة مع قائدنا".

      لم أكن أول مراسل أجنبي يتحدّى الأخطار التي يمكن ان يواجهها في كولومبيا بحثاً عن قصّة جيدة. في السنتين اللتين عشتهما هناك، التقيت بعدد كبير من الأشخاص من بقاع مختلفة من العالم ممن يجرون مقابلات مع الثوّار، والقوات الشبه العسكرية، وجنود الجيش، ومزارعي الكاكاو، أو مثلي، جميع هؤلاء.

      "وكيف عرفت أنه من الولايات المتحدة؟"

      "إنه يشبهك، شاحب وأشقر، وعيناه زرقاوان، ويتكلّم بطريقة مضحكة مثلك".

      سحبت أنا وجون نفساً من سجائرنا، لكن الدخان خنقني وبدأت أسعل.

      انفجر ضاحكاً، "هاهاهاهاها....."

هذا هو جون الذي رأيته من قبل، الفتى الضاحك الخبيث. "الهاهاها" التي انطلقت منه جعلته مميزاً. أطفأت السيجارة ورحت أراقبه وهو يضحك - حتى استعدت نفسي.

      ثمّ، قال فجأة: "أنا في الثالثة عشرة من عمري فقط"، نظر إلى الأسفل، وكأنه شعر بالخجل لأنه طفل، "مع أنني لا أخبر أحداً بذلك. هناك شخص قال إنه في الرابعة عشرة من عمره ولم يعد يحترمه أحد. يجب أن تكون كبيراً لكي تقتل الناس".

      عندما اخترت جون لأجري معه مقابلتي، قدم لي القائد ملف الفتى. حسب الملف لم يشارك جون في أي معركة. ساورني الشك في ذلك. أعرف أن القادة يزورون ملفات المجنّدين لديهم، وخاصة إذا كانوا تحت سنّ الرشد.

      كم شخصاً قتلت حتى الآن؟" سألته.

      قال: "هاهاهاها، هل تريد أن تعدّهم... إني أغمض عيني وأطلق النار، إلى أن لا أعود أسمع صوت نيران من الطرف المقابل". إجاباته بدون تفكير جعلتني أصدق ما يقوله. وسألني، "وماذا عنك؟ هل قتلت أحداً؟"

      هزّزت رأسي.

      "حقاً؟" بدت المفاجأة على جون. أسند البندقية على العشب وجلس بجانبها، ركبتاه مضغوطتان معاً على صدره، وذراعاه تلتفان حولهما. كانت الرسالة واضحة: لم يعد بحاجة ليشعر بأنه أكبر سناً أو أطول قامة. بأنه قتل أشخاصاً. أما أنا فلم أقتل أحداً...

      "بم تفكر عندما تكون في المعركة؟" تابعت.

      "في معظم الأحيان لا أفكر بشيء، لكنني في بعض الأحيان أفكّر بأنني أنقذ حياتي، كما تعرف. إمّا حياتي أو حياتهم، ولا يريدني الله بعد".

      "إذن أنت تؤمن بالله".

      "بالتأكيد. إنني أصليّ كلّ ليلة تقريباً، وأصليّ قبل نشوب معركة".

      "وهل تظن أن الله يوافقك على قتل الآخرين؟"

      فكّر في سؤالي قليلاً قبل أن يجيب: "أظن أن الله لا يريدني أن أقتلهم كما لا يريدهم أن يقتلوننا".

      ثم طرحت عليه أسئلة عن الحياة اليومية لمقاتل في حرب العصابات وعلمت أنهم ينهضون في الساعة الرابعة، وينتظمون في صفوفهم في الساعة الخامسة، وتوزع عليهم مهامهم في الساعة الخامسة والنصف. مجموعة مؤلفة من شخصين يطهوان وجبات الطعام الثلاث، وتنطلق مجموعتان أخريان تتألف كل منهما من ثلاثة أشخاص إلى الصيد، وتقوم مجموعتان تتألف كل واحدة منها من أربعة أشخاص باستطلاع المنطقة تحسباً من وجود قوات غازية، بينما يتولى الباقون مهام الحراسة. وبعد الظهر، يلعبون ألعاباً رياضية ويتدربون على الرمي.

      "لا يُعدَّ هذا المعسكر شيئاً بالمقارنة مع معسكر التدريب"، قال جون مؤكداً، "فهناك يعلّمونك الرمي من المسدّسات والبنادق والرشاشات، وكيف يمكنك أن تكتشف طائرة، أي مكان في هيكلها يجب أن تسدد بندقيتك. إنه شيء فظيع"، قال كلّ ذلك بصوته الطفولي، وفكرت ثانية بالملف الذي أعطاني إياه القائد. أخرجته من حقيبة الظهر وأعدت قراءة الصفحة. إنها تقول إن اسم جون الحقيقي هو خوان كارلوس سيبالوس فارغاس، وهو في السادسة عشرة من عمره، وأن والديه ماتا في حادث سيارة عندما كان رضيعاً، وقد أمضى الفتى فترة طفولته كلها في ملجأ للأيتام خرج منه عندما بلغ الخامسة عشرة من العمر؛ وأنه التحق بصفوف المقاتلين للمشاركة في حرب العصابات طوعاً في تشرين الثاني (نوفمبر) 2000. قرّرت أن أتأكد من صحة  المعلومات الواردة في ملفه.

        "هل جون اسمك الحقيقي؟"

        هزّ رأسه.

        "ما هو إذن؟"

        "لا أخبر أحداً باسمي الحقيقي".

        قلت: "معك حق. أنا أحبّ اسم جون. إنه اسم جميل".

        فأجاب، "إنه ليس جون فقط. إنه جون ر.".

        "لا أزال أعتبره اسماً جميلاً. هل أنت الذي اخترته؟"

        أومأ. ثم سأل، "هل رأيت رامبو؟"

        "رأيت الأجزاء الثلاثة كلها"، قلت معترفاً.

        "وأنا أيضاً. إنه رائع ! أتذكر اسمه؟ اسم رامبو؟"

        كان عليّ أن أفكر للحظة. كانت قد مضت سنوات عديدة على مشاهدتي رامبو 111. عرفت أنه اسم مشترك. مايكل؟ روبرت؟ جون؟ "جون!" أعلنت، "أوه، فهمت. جون ر.".

        ابتسم. "كان لدى جدتي جهاز تلفزيون. كانت تسمح لي بأن أشاهده أحياناً، إلى أن باعته. بدأت تبيع كلّ شيء لأنه تعين عليها أن توفر لنا الطعام حتى لم يعد ما يمكنها بيعه في ذلك البيت".

        "أين جدتك الآن؟ "

        هزّ كتفيه.

        "وماذا عن أبيك؟ أين هو؟ "

        "في السجن. حُكم عليه بالسجن عشرون سنة لأنه قتل جاراً سرق منا خنزيراً".

        "وأمّك؟"

        "أصيبت بطلقة في رأسها"، أجاب، كما لو كانت تلك هي الطريقة التي تنتهي فيها حياة أي شخص، وأضاف، "كان للرجل الذي قتله أبي، ابن يعمل شرطياً. زجّ بأبي في السجن، ثمّ قتل أمّي".

        "ألم يلقوا القبض على الشرطي؟"

        "هاهاهاها"، أجاب.

        "كم كان عمرك عندما حدث ذلك؟"

        دفع يده اليسرى أمام وجهي، بالطريقة التي يخبر فيها الأطفال عن عمرهم. خمسة أصابع.

        "وكم كان عمرك عندما التحقت بالمقاتلين؟"

        "إحدى عشرة سنة".

        "هل تعرف ما هذا؟" سألته، ودفعت الملف أمام عينيه.

        نظر إليه وهزّ رأسه، وقال: "لا أستطيع القراءة. لم أذهب إلى المدرسة قط".

        "ها هنا، سأقرؤه لك، "قلت وبدأت أقرأ كلّ سطر ببطء. أنصت بانتباه، لكن تعابير وجهه لم تتغيّر.

        "أرجو أن يكون ذلك صحيحاً"، قال بعد أن أنهيت كلامي، وأضاف، "يبدو أنه أفضل من حياتي الحقيقية بكثير". كانت عيناه، السوداوان والحزينتان، مثبتتين في عينيّ. نظرت فيهما ورأيت صبياً صغيراً يتعلّم كيف يطلق النار بالبندقية، ويصطاد الطيور في الغابة، ويصلي وهو جاث على ركبتيه قبل أن يتوجه إلى المعركة، ويطلق النار على شخص آخر يعتبره عدواً له وعيناه مغمضتان بإحكام. جعدت الملف وجعلته في شكل كرة ورميته.

        "سؤال آخر فقط "، قلت، ولاحظت أنه ينظر إلى ساعته الآن، "أخبرني ما الذي جعلك تنضمّ إلى الثوّار".

        "كنت جائعاً".

        أمسك جون ر. بندقيته ونهض. كانت الساعة الرابعة بعد الظهر تقريباً، وكان عليه أن يؤدي واجب الحراسة من الساعة الرابعة حتى الثامنة.

        "عدني بألاّ تحرّف ما قلته لك لتجعلني أبدو شخصاً سيئاً"، قال.

        "أعدك"، قلت أطمئنه. ولكي أثبت له ذلك، قبّلت صليباً رسمته بإبهامي وسبابتي، وهي إيماءة يستخدمها الكولومبيون كثيراً للدلالة على أنهم سيفون بوعودهم.

        ثمّ طلب مني هدية. قال: "أيّ شيء".

        نظرت داخل حقيبتي. كان فيها غيار ثياب داخلية، وفرشاة أسنان، وأنبوبة معجون أسنان صغيرة للسفر، ومجموعتا بطاريات، وأسبيرين، ومضاد حيوي، ولفّة من ورق التواليت، ونسخة مهترئة من رواية "مائة عام من العزلة"، التي كنت قد بدأت قراءتها للتو. لا يريد جون ر. شيئاً من كل ذلك. لكن بعد ذلك، وجدت في جيبي الجانبي قلم حبر ناشف فيه سائل يطفو يقدم هدية في عيد الميلاد كنت قد حصلت عليه في آخر زيارة لي إلى نيويورك.

        "عيد ميلاد مجيد، جون ر."، قلت، وقدمت له القلم.

        "عيد ميلاد مجيد؟ لكننا في نيسان (أبريل)".

        "أي وقت يصلح لتقديم هدية عيد الميلاد".

        قدمت له القلم وطلبت منه أن يحركّه إلى الأعلى والأسفل، ورأيته يراقب بابا نويل وغزاله وهما يطفوان بسهولة فوق قرية صغيرة مكسوة بالثلج.

        "هاهاهاها"، أضاء وجهه،" هل صنع في الولايات المتحدة؟"

        اعترفت قائلاً: "لست متأكّداً من ذلك".

        تهدلت شفته السفلى محبطاً.

        استعدت القلم منه وتفحصته بعناية. وفي النهاية، وجدت على طرف الحلقة الفضية الصغيرة التي تقسم بين الجزء العلوي من القلم والجزء الأسفل، كتابة بأحرف صغيرة، الكلمات الثلاث التي يريد جون ر. أن يسمعها.

        قلت: "نعم. صنع في الولايات المتحدة الأمريكية".

        شكرني أربع أو خمس مرات، استدار وتوجّه نحو المعسكر، وهو لا يزال يحرّك القلم إلى الأعلى والأسفل ويقول: "هاهاهاها"، عدة مرات إلى أن اختفى جسده الصغير في الغابة.

 

(جيمس كانيون: ولد ونشأ في كولومبيا، ويعيش في مدينة نيويورك. وهذه روايته الأولى كتبها باللغة الإنكليزية، ولاقت نجاحا عالميا وترجمت الى لغات عديدة).

 

 

مترجم سوري، مقيم في نيويورك

kjbaili@live.com

 

خاص كيكا